ابو القاسم عبد الكريم القشيري
307
لطائف الإشارات
فجعل الإبريسم « 1 » في الدود وهو أضعف الحيوانات ، وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور ، وجعل الدّرّ في الصدف وهو أوحش « 2 » حيوان من حيوانات البحر ، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر . . . كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصى وفيهم من يخطئ « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) خلق الإنسان في أحسن تركيب ، وأملح ترتيب ، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة ، والنور والضياء ، والفهم والذكاء . ورزقه من العقل والتفكر ، والعلم والتبصر ، وفنون المناقب التي خصّ بها من الرأي والتدبير ، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردودا ، ويرى في كل يوم ألما جديدا . ويقال « مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » : وهو أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق ؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعا ثم يصير في آخر عمره عاصيا . ويقال أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة ، ويسلك طريق اللّه مدّة ، ثم تقع له فترة ، فيفسخ عقد إرادته ، ويرجع إلى طلب الدنيا . وعند القوم هذه ردّة في هذا الطريق . ويقال أرذل العمر رغبة الشيخ في طلب . ويقال أرذل العمر حبّ المرء للرياسة .
--> ( 1 ) الإبريسم - أحسن الحرير ( معرب ) ( الوسيط ح 1 ص 2 ) . ( 2 ) هنا معناها أجوع الحيوان ، من قولهم بات وحشا أي جائعا لم يأكل شيئا فحلا جوفه ( الوسيط ج 2 ص 6 ، 10 ) . ( 3 ) ينسجم اتجاه القشيري في هذه الإشارة مع السياق القرآني . . إذ يأتي بعد قليل : « وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ » . . وفضل اللّه بلا علة .